أهلا وسهلا بكم في موقع مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية ، للتواصل : info@alanwar14.org

الصفحة الرئيسية

من نحن

أخبار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

مقالات وآراء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

تحقيقات

اصدارات اللغات الأجنبية

طلبات كتب اللغات

طلبات الكتب

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا

   مقالات وآراء >> مقالات مختارة >> منشأ انحراف الجماعة وأساليب العلاج -رؤية من منظور قرآني- .

منشأ انحراف الجماعة وأساليب العلاج -رؤية من منظور قرآني-

الشيخ حامد العبد الرزاق

مجلة الشعائر، العدد (3) - شهر رمضان المبارك 1435 هـ
 
من أبرز السلبيات التي تصيب مسيرة البشرية نحو الكمال وتسبب في سقوط الأمم هي ظاهرة الانحراف بأشكالها المختلفة، وبالرجوع إلى آيات القرآن نجد أن بداية كل انحراف أو المؤسس لحالة الانحراف في الأمم هو إبليس حينما مال عن أمر الله ورفض السجود لآدم . 
قال تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } البقرة 34 .
 
وبنزول آدم (عليه السلام) إلى الأرض ودخول إبليس في حياة البشر، تحول الانحراف من حالة فردية إلى ظاهرة اجتماعية لها أشكالها المتعددة ومبرراتها، بل حتى أنه أصبحت لها مدارس وثقافة وفلسفة تبرر ظاهرة الانحراف في المجتمع، وتعطي لها غطاءً شرعياً ودينياً .
     
وقد استعرض القرآن الكريم صوراً من هذه الانحرافات الفكرية والاجتماعية والسلوكية في قصص الأنبياء عليهم السلام، وكان أحد أهم أهداف رسالة الأنبياء تقويم الانحراف في المجتمع، كما ورد على لسان نبي الله شعيب عليه السلام : {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ } هود 88.
 
وفي هذا البحث سوف نتناول آلية تعامل القرآن الكريم مع ظاهرة الانحراف في المجتمع . 
 
الانحراف في المفهوم اللغوي والقرآني :
الانحراف لغة هو الميل عن الجادة التي يجب أن يلتزم بها الإنسان ، أو مجانبة الطريق إلى طرفه . 
ويقول العلامة المصطفوي في كتابه " التحقيق في كلمات القرآن " : إن الأصل في هذه المادة ، أخذ طرف الشيء أو الابتعاد عن أصل الموضوع إلى طرفه .
 
واستخدم القرآن الكريم كلمة الانحراف في عدة موارد : 
1- تغيير الموضع : { وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ } . الانفال 16
2- تفسير الشيء خلاف أصله وما وضع له : { مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ } . النساء 46
3- أخذ ظاهر الشيء أو طرفه دون التعمق بأصله : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } الحج 11، فالذي يأخذ ظاهر الدين أو طرف الدين ، يكون متغير الفكر والمزاج .
 
 فالجامع المشترك بين هذه المعاني ، الابتعاد عن أصل وجوهر الحقيقة التي يجب أن يتمسك بها الإنسان إلى أمر مخالف للحقيقة .
 
الانحراف ( الميل عن الفطرة ):
إن محور الحق والاعتدال في الإنسان هي الفطرة ؛ لأن الفطرة توافق الخير والحق ، ويبدأ الانحراف في الإنسان حينما يميل عن الفطرة ، وان الدين والشريعة الإلهية توافق فطرة الإنسان ، قال تعالى : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } . الروم 30
لذلك ، فإن الإنسان في قرارة نفسه يعترض ويخالف أي ظاهرة إنحرافية وإن كان ممارساً لها ، ولذا يحاول أن يعطيها صبغة شرعية حتى يخمد صوت الفطرة في داخله .
ويعطي القرآن صوراً لبعض الانحرافات التي حدثت في الأمم السابقة ، وكيف أن هذه الانحرافات أخمدت صوت الفطرة ومن ثم استعصت عملية الإصلاح لها .
قال تعالى : { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ }   . الحديد 16
 
وفي بيان آخر ، ذكر القرآن الكريم أن الانحراف عن الفطرة يؤدي إلى عدم الاستجابة لعوامل الابتلاء والرجوع لجادة الحق ، { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }  . الأنعام 42
 
وفي مقابل الانحراف عن الفطرة هناك موقف الثبات والاستقامة على الفطرة تمثلت في شخصية النبي إبراهيم عليه السلام ، { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }. الأعراف 67
 
فالحنيفية هي الميل إلى الدين والشرع الإلهي ، بينما كانت اليهودية والنصرانية مائلة عن الدين والشرع الذي يوافق فطرة الإنسان ، وهذا الانحراف يتمثل إما في حالة التطرف الديني الذي كان عند المسيحية أو التسيب والاستهتار بقيم الدين والذي كان عند اليهود . 
 
التطرف الديني مظهر من مظاهر الانحراف :
وبالرجوع إلى الأديان السابقة حيث وصفت الآيات اليهود والنصارى بأنهما انحرفا عن الفطرة ، نجد أن القرآن يقسم الانحراف إلى نوعين : 
الأول : التفريط بقيم الدين والأخلاق والذي تمثل في سلوك الديني عند اليهود ، كتحليل المحرمات وانتهاك المقدسات الدينية وقتل الأنبياء عليهم السلام والتحلل من المسؤوليات الأخلاقية والاجتماعية .
     
قال تعالى : { وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ } النساء 161 ، { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ } المائدة 13، { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ } آل عمران75.
 
الثاني : الإفراط والتطرف الديني ويمثل صورة الانحراف عند النصارى ، مع ملاحظة أنه قلما ينتبه الأفراد والمجتمع لمثل هذا النوع من الانحراف ؛ لأنه يأخذ غطاء شرعياً .
وهذا النوع من الانحراف تجسد في الديانة المسيحية ، حيث برز عندهم حالة الغلو في الالتزام والخروج عن حد الاعتدال الديني .
قال تعالى : { ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ }  الحديد27 .
     
والسبب في ظهور هذا النوع من الانحراف هي ردة فعل الانحراف السلبي والإفراط الذي يسلكه المجتمع في تعامله مع القيم الدينية .
في الرواية عن ابن مسعود قال : كنت رديف رسول الله (صلى الله عليه وآله) على حمار فقال: يا ابن أم عبد، هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل!! الرهبانية؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى (عليه السلام) يعملون بمعاصي الله، فغضب أهل الايمان فقاتلوهم فهزم أهل الايمان ثلاث مرات، فلم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا هؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه، فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى (عليه السلام) يعنون محمدا (صلى الله عليه وآله) فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه، ومنهم من كفر، ثم تلا هذه الآية " ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم " إلى آخرها ثم قال يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي؟ قلت: الله ورسله أعلم، قال: الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة .
 
وبداية الانحراف والتطرف الديني ينشأ من الغلو والانحراف الفكري ، فحينما يغالي الإنسان في عقيدته ، يحدث انحرافاً في سلوكه وعباداته ، ولذلك حذر القرآن من الغلو الفكري والديني ، والذي يكون نابعاً من الأهواء النفسية { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } المائدة 77، فالغلو الفكري يكون بداية الانحراف عن نهج الدين المعتدل ، ثم بعد ذلك يحدث الانحراف في السلوك والالتزام الاجتماعي .
 
ولعل ما نراه اليوم من سلوك المتطرفين في التعامل مع الرأي الآخر دليل واضح على الانحراف عن الدين حيث أنهم تجاوزوا الحدود الشرعية في التعامل مع من يخالفهم في الرأي .    
 
هل الانحراف ظاهرة أم حالة ؟
لمعرفة منهجية القرآن في التعامل مع الانحراف في المجتمع ، لابد من التعرف على نظرة القرآن إلى ظاهرة الانحراف ، فهل ينظر القرآن إلى الانحراف كحالة فردية ، أم كظاهرة اجتماعية ؟
1- حينما نقول حالة فردية ، نقصد أنه سلوك عند بعض الأفراد يظهر بصورة عفوية نتيجة ظروف معينة ، وبتغير هذه الظروف ومرور الوقت يتغير هذا السلوك . 
فمن يرى أن الانحراف في المجتمع هي حالات فردية ، يعتقد أن الانحراف يمكن تغييره بسهولة ، أو أنه ينتهي مع مرور الزمن ، ومثال ذلك السرقة ، فهي قد تكون ناتجة عن البطالة أو الفقر أو انعدام القانون ، فإذا أزلنا هذه الأسباب قد يزول هذا السلوك .
وهكذا يتعامل أصحاب هذا الرأي مع الانحراف على أنه سلوك فردي يظهر عند بعض أفراد المجتمع ، وبالتالي يتبدل أو ينتهي بمرور الأيام .
 
2- وحينما نقول أن الانحراف ظاهرة اجتماعية ، أي أنها حالة فردية بمرور الوقت تتحول إلى ظاهرة في المجتمع لها منهجيتها وأسبابها ومبرراتها ثم تتحول هذه الظاهرة إلى عادة وسلوك من الصعب تغييره .
وعلى هذا الأساس فإننا نرى أن قسماً من الانحرافات كانت حالات فردية ، ثم تحولت إلى ظواهر اجتماعية منتشرة بين أفراد المجتمع ، وحينذاك من الصعب تغيير هذه الظاهرة أو تبديلها ؛ لأن المجتمع قد تطبع عليها .
وقد ضرب القرآن الكريم أمثلة لهذه الحالة في قوم بني إسرائيل حينما ارتكبوا بعض المحرمات وتحولت هذه المحرمات إلى ظاهرة اجتماعية عندهم .
 قال تعالى : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا } النساء155، فهذه الانحرافات التي كانت يمارسها بعض فئات مجتمع بني إسرائيل تحولت إلى ظاهرة في مجتمع بني إسرائيل ، وحملهم الله المسؤولية الكاملة تجاهها.
 
وهكذا فإن الانحرافات الأخلاقية والسلوكية تكون بدايتها حالة فردية ولكن بمرور الوقت تتحول إلى ظاهرة اجتماعية بسبب التخاذل والتهاون من أفراد المجتمع تجاهها .
فنجد أن الشذوذ الجنسي في قوم لوط مارسه بعض الأفراد كما تشير إلى ذلك بعض الروايات ، ولكنه انتشر وأصبحوا يمارسونه في ناديهم ، أي أنه تحول إلى ظاهرة مستحسنة في المجتمع ، وحينذاك صار من الصعب إصلاح هذا المجتمع ، { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ }  النمل 54-56 .
     
وفي آية أخرى يعالج القرآن الانحرافات الفردية بخطاب جماعي ؛ ذلك لكي يحمل الجميع المسؤولية تجاه أي حالة انحرافية فردية . 
قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ  الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } الحجرات11.
     
فهذا السلوك الانحرافي بدر من رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله تجاه رجل آخر ، ومن إمرأة تجاه إمرأة أخرى ، إلا أن القرآن الكريم وجه الخطاب بصورة جماعية ، وبمعنى آخر نظر إليها كظاهرة إجتماعية لا حالة فردية .
وهناك أمثلة أخرى في القرآن حيث أنه يخاطب المجتمع في معالجة السلوكيات الانحرافية .
قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } آل عمران 130   . 
فمع العلم أن الربا كان لا يمارسه إلا الأغنياء ، ولكن القرآن خاطب المجتمع في هذه الآية .
قال تعالى : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا  النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } الأنعام 151.
     
فلا شك أن بعض هذه الانحرافات كانت فردية ، ولكن القرآن تعامل معها كظاهرة اجتماعية ؛ لأن خطرها في الانتشار بين أفراد المجتمع واضح وسريع .
وقد خاطب القرآن الكريم مجتمع بني إسرائيل من قبل وقال : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً } الإسراء 31-33 .
 
والسؤال : ما هي العلة في أن القرآن يتحدث عن الانحرافات الفردية كظواهر اجتماعية ؟ ولماذا يعطيها بعداً اجتماعياً ؟ 
الجواب : لعل السبب يكون واضحاً حينما ننظر إلى واقع مجتمعاتنا اليوم وحالات الانحراف التي كانت في الأغلب حالات فردية ولكنها مع مرور الزمن تحولت إلى ظواهر اجتماعية .
 
والنتيجة التي نصل إليها من خلال نظرة القرآن إلى الانحراف كظاهرة اجتماعية كالتالي : 
1- إن التعامل مع الانحراف كظاهرة يساهم في معالجتها منذ البداية حتى لا تنتشر وتستفحل في المجتمع . 
2- التعامل مع الانحراف كظاهرة يحمل جميع الأفراد في المجتمع المسؤولية في مواجهتها ، ولذلك كان خطاب القرآن الكريم جماعياً لأي ظاهرة أو حالة انحرافية ؛ لكي يتحمل الجميع مسؤولية التصدي لها ، ومن هنا كانت دعوة القرآن لمعالجة الانحراف دعوة جماعية . قال تعالى : { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }  آل عمران 104 . وقال تعالى : { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } المائدة 2   .
3- معالجة الانحراف كظاهرة اجتماعية تستدعي أن يكون هناك مراقبة ومحاسبة من أفراد المجتمع ووضع البرامج الجماعية لمعالجتها بدل الاكتفاء بالمعالجة فردية . 
قال تعالى : { وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } العصر . 
 
عوامل تحول الانحراف من حالة فردية إلى ظاهرة اجتماعية (بنو إسرائيل أنموذجا) : 
قال تعالى : {.. وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ. } البقرة 61   .
 
وقال تعالى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ 54 وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ 55 ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 56 وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ 57 وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ 58 فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } البقرة 54-59   .
     
وقال تعالى : {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا } النساء 153  .
 
إن أي حالة انحراف فردية تتحول إلى ظاهرة وسلوك اجتماعي لها أسبابها ومبرراتها ، وهناك تفاوت في سرعة انتشار الانحراف بين أفراد المجتمع ، فبعض المجتمعات لا تتأثر سريعاً بالحالات الانحرافية ، وبعض المجتمعات ينتشر فيها الانحراف سريعاً كانتشار النار في الهشيم ، وتكون أرضيته مهيأة لتلقي الانحرافات .
 
بل إننا نجد في بعض المجتمعات يتحول السلوك الانحرافي إلى ممارسة وعادة وثقافة يدافع عنها ولها جماعات أو جمعيات تبرر لهذا السلوك الانحرافي ، مثل قضية الشذوذ الجنسي في الدول الغربية ، أو التبرج والسفور للمرأة تحت عنوان حقوق المرأة وجمعيات الدفاع عن حقوق المرأة .
 
واليوم نرى أن ثقافة القتل وسفك الدماء أيضاً أصبحت سلوكاً وعادة يتفاخر بها بعض أفراد المجتمع.
 
ولذلك حينما نبحث عن أهم أسباب انتشار سلوك الانحراف في المجتمع نجده في أمرين : 
1- الأزمات والمتغيرات التي يمر بها المجتمع. 
فهذه المتغيرات إما تكون إيجابية كحالة الرخاء والأمن والرفاهية ، ولكن بدل أن تساهم في تقويم المجتمع ، تساهم في انحرافه ، وقد تكون سلبية ، مثل الحروب والفقر والتهجير ، فإنها تساهم في ظهور السلوكيات السلبية أيضاً .
وحينما لا يكون المجتمع مستعداً ومهيأ أمام رياح التغيير ، فإن الظواهر الانحرافية ستنتشر فيه خلال مدة زمنية قصيرة ، ولعل أحداث الربيع العربي الأخيرة خير شاهد على ذلك ، حيث ظهرت السلوكيات الانحرافية في المجتمعات مع أن التغيير كان يجب أن يستثمر في البناء الايجابي للمجتمع ، فظهرت سلوكيات سلبية مثل التطرف الديني واستباحة الدماء وعصابات السرقة والانحرافات الاخلاقية والظواهر السلبية بين جيل الشباب .
كل ذلك بسبب ظهور المتغيرات في الساحة وعدم استعداد المجتمع لمثل هذه المتغيرات .
وقد بين القرآن الكريم أن هذه المتغيرات وأثرها السلبي حالة متكررة في المجتمعات ، قال تعالى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } الأعراف96   .
فالمجتمع يفترض به أن يتعامل مع المتغيرات بصورة ايجابية والتطور بتعديل سلوكه ، ولكن بدلاً من ذلك يزداد انحرافاً وابتعاداً عن الله عز وجل وعن الاعتدال ، فيستحق بذلك العذاب .
ومن أبرز الشواهد القرآنية بنو إسرائيل ؛ حيث أنهم كانوا يتأثرون بأي تقلب للظروف يحدث في مجتمعهم ، ويسلكون سلوكاً إنحرافياً  كلما مروا بابتلاء أو فتنة ، فحينما جاء بهم يوسف عليه السلام من البدو إلى مصر كان الانحراف الفكري والسلوكي ما زال فيهم ، ولكن بصورة فردية ، وبمجرد أن توفي النبي يوسف عليه السلام انتشرت الانحرافات بينهم . 
قال تعالى : { وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا } غافر 43.
ومن أبرز الانحرافات التي حدثت فيهم ، التحلل من المسؤولية الدينية .
وقد ظهرت بوادر الانحراف عندهم بعد نجاتهم من فرعون وتحررهم من الظلم والحرمان ، فبدلاً من أن يكون ذلك سبباً لحالة الاعتدال والهداية حدث فيهم الانحراف نتيجة عدم استعدادهم لهذا التغير .
 
2- ممارسة بعض الفئات الاجتماعية دوراً في إفساد المجتمع ونشر الانحراف فيه لأجندة سياسية أو مصالح شخصية .
كل مجتمع حينما يسري فيها حالة الانحراف نجد أن هناك جهات تقف وراء عملية إفساد المجتمع ونشر الثقافة الانحرافية ، وقد أشار القرآن لبعض هذه الفئات ، مثل :
1-السلطة الحاكمة.
 التي تهدف من نشر الثقافة الانحرافية أو الميوعة في السلوك لبسط سيطرتها وإضعاف قوة الإرادة في المجتمع ، وتحاول أن تنشر ثقافة الانحراف بين طبقة الشباب أو الطبقة المستضعفة ، وهذا ما ورد على لسان ملكة سبأ بلقيس: { قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوك إِذَا دَخَلُوا قَرْيَة أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّة أَهْلهَا أَذِلَّة وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } النمل 34   . 
وفي معرض حديث القرآن عن طغيان فرعون : { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } القصص 4  .
 
2- الملأ ( الحاشية التي تحيط بالحاكم ) أو طبقة التجار والمتنفذين .
قال تعالى : { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ، قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ   } الأعراف 65-66.
وقال تعالى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ، قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ }  الأعراف 56-60.
وقال تعالى : { قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ  } الأعراف 75-76  .
وقال تعالى : { وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُون} الأعراف 127  .
 
وهذه الفئة مصلحتها إفساد المجتمع حتى تبقي على مصالحها ، لذلك فإن الأنبياء عانوا كثيراً من هذه الفئة ، حيث أنهم كانوا أول المعارضين لعملية الإصلاح التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام . 
 
3- المتلبسين بالعلم من وعاظ السلاطين والأحبار والرهبان. 
قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } التوبة 34   .
وقال تعالى : {وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ 62 لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} المائدة 63.
 
وتمارس هذه الفئة دوراً خطيراً في إعطاء الصبغة الشرعية للانحرافات السلوكية كما أنها تمارس دور التضليل الفكري ونشر الثقافة المنحرفة في المجتمع ، ومن مخاطر هذه الفئة أنها تبرر للحاكم ظلمه وفساده في الأرض وتبرر للمجتمع تقاعسه عن محاربة وتغيير الفساد ، وتصد أمام أي عملية إصلاحية في المجتمع ، فيؤدي إلى تجذر الانحراف فيه .
ومثال ذلك الأحبار من علماء اليهود الذين كانوا يبررون الفساد المالي لمجتمع اليهود .
 
الموقف من الانحراف بين الإيجاب والسلب :
أمام أي ظاهرة إنحراف في المجتمع يكون هناك موقفين : 
1- موقف سلبي يتمثل في اعتزال المجتمع وعدم تحمل أي مسؤولية تغيير ، والبعض يتخذ ردة فعل سلبية ويصدر منه موقف متطرف .
2- الموقف الإيجابي ، ويتمثل في أخذ ردة فعل إيجابية وتحدي أمام حالة الانحراف ، وحتى المقاطعة أو الاعتزال يكون بنفس إيجابي وليس سلبي . 
وفي ذلك أشار القرآن إلى قصة أصحاب السبت ، حينما انقسم المجتمع إلى فئتين :
فئة اتخذت موقفاً سلبياً واعتزلت الانحراف ولم تبد أي ردة فعل .
وفئة اتخذت موقفاً إيجابياً عبر مواجهة الانحراف عبر النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فأيد الله عز وجل الفئة التي كانت تمارس دوراً إيجابياً في مواجهة الانحراف .
قال تعالى : { وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } الأعراف 164-165.
وقبل الحديث عن آلية تعامل المجتمع مع الانحراف ، لابد أن نعرف ما هي الهيكلية التي ينطلق منها المجتمع في عملية الإصلاح .
 
التقوى ضمانة للإصلاح :
 يمكن أن نرى هذه الهيكلية أو الإطار من خلال كلمة ( التقوى ) في القرآن الكريم ، فالهدف والوسيلة والهيكلية التي تحدد عملية الإصلاح هي مسألة التقوى ( الخشية من الله ) . 
وهذا الإطار هو الذي يسلك بعملية الإصلاح في طريق مستقيم .
ولذلك نرى في بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن إصلاح المجتمع وتنظيمه ورود كلمة التقوى .
قال تعالى : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة 179  . 
وقال تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة 63   .
وحتى في أشد حالات الانحراف ، فلابد للمؤمن أن يتمسك بالتقوى شعاراً ووسيلة وهدفاً .
قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }  التوبة 123 .
وفي قصة أصحاب السبت إشارة إلى الدافع من عملية الإصلاح والتصدي للانحراف وهي مسألة التقوى ومرضاة الله .
قال تعالى : { قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىَ رَبّكُمْ } الأعراف 64   .
 
الاعتدال في الإصلاح:
إن عملية تقويم الانحراف ، عملية دقيقة بحاجة إلى ميزان حتى لا يتحول الإصلاح إلى انحراف ، فبعض المصلحين قد يتخذون وسيلة خاطئة أو أسلوب مخالف لطريق الله في تقويم الانحراف ، فيميل عن الحق ، ويقع في انحراف آخر ، والبعض قد ينحرف عن الهدف الذي بدأ به .
قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } المائدة 8  .
إن مواجهة الانحراف أو المنحرفين قد يخلق نوعاً من الاحتكاك والمشاحنة ، وقد يجر ذلك إلى استخدام أساليب غير مشروعة في المواجهة ، والخروج عن حد الاعتدال في التعامل والتعدي على حقوق الآخرين ، وذلك يعتبر من أكثر المظاهر الانحرافية ، لذلك المؤمن بحاجة إلى ميزان في التعامل ، وهذا الميزان هو التقوى .
قال تعالى : { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } الحجرات 9   .
 
الانحراف لا يُقَوَم بالانحراف وإنما يقوم بالعدل والقسط في التعامل ، وهذا لا يكون إلا من خلال وجود التقوى عند المصلحين حتى لا يؤدي إصلاحهم إلى إفساد من جانب آخر .
 
السؤال : ما هو الدور المطلوب من الفئة المؤمنة في مواجهة الانحراف ؟
هناك أساليب متعددة في مواجهة الانحراف ، ولكن كل أسلوب له ظرف زمني واجتماعي ، لذلك نجد اختلاف أساليب الاصلاح والتغيير عند الأنبياء عليهم السلام ، بل إن بعض الأنبياء تغيرت أساليب الإصلاح عندهم ، ومثال ذلك النبي إبراهيم عليه السلام الذي بدأ بعملية الحوار مع قومه ثم التحدي ثم استخدام القوة أمام الانحراف العقائدي ثم المقاطعة للمجتمع المنحرف ، ولذلك فإن عملية الإصلاح والتغيير بحاجة إلى دراسة ظروف المجتمع وآلية التغيير فيه .
 
التصدي لظاهرة الانحراف مسؤولية جماعية :
حينما تكون هناك ظاهرة انحرافية فلابد أن يكون التصدي لها بصورة جماعية لتقويمه ، ولذلك فإن القرآن حمل المجتمع بكافة أطيافه مسؤولية التغيير والإصلاح .
ومن هنا نجد أن القرآن أشار إلى المسؤولية على كل الأفراد فقال : { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ } الصافات 25.
وفي حديثه عن التغيير حمل الجميع مسؤولية التغيير ، فقال : { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ }الرعد11  ،  فلا يمكن للإنسان أن يبعد نفسه من عملية التغيير في المجتمع .
وقد ذم بني إسرائيل لأنهم كانوا يحملون غيرهم مسؤولية الإصلاح ، وينوءون بأنفسهم عن المسؤولية ، قال تعالى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء ... قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ... } المائدة 20-22 .
 
التواصي ودوره في عمله الإصلاح :
من إحدى النقاط المهمة التي وجه إليها القرآن في عملية الإصلاح هي مسألة التواصي والتذكير بين أفراد المجتمع في أمور الخير وفي الصبر على عملية الإصلاح .
قال تعالى : { وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } العصر   .
وقال تعالى : { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } البلد 17 .
     
وفي نهاية حديثنا حول موضوع عملية الإصلاح نجد أن القرآن قد وضع منهجاً متكاملاً لعملية الإصلاح الاجتماعي وبين أن الإصلاح لابد أن يتم بصورة جماعية ولا يُكتفى بالإصلاح الفردي .
قال تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } المائدة 2 . 

 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2014/07/14   ||   القرّاء : 4396















البحث :


  

جديد الموقع :



 الإمام الحسين عظمة إلهية وعطاء بلا حدود

  السيدة نرجس مدرسة الأجيال

  كيف نفهم القرآن؟

  قصة الأحكام – الجزء الثالث

 الأرض لمن عمرها: اسلوب اقتصادي ناجح

 في رحاب السيدة معصومة عليها السلام

 دار العلم في دولة بني عمار.. مفخرة إسلامية

  خلال تكريم الكرباسي: أعلام العراق يؤكدون على فرادة الموسوعة الحسينية

  دولة بني عمار في طرابلس.. حاضرة من حواضر الشيعة

 نهج الشيعة.. تدبرات في رسالة الإمام الصادق-عليه السلام- إلى الشيعة



ملفات عشوائية :



 فقه المستقبل

  مولد النور

 الإسلام وإشكاليات الحداثة - الحلقة الثامنة

 دور العشيرة في تشكيل الدولة العراقية الحديثة

 رابطة الرسول الأعظم تعقد لقاءها السنوي الثاني لخدّمة الإمام الحسين ع

  ما هكذا تكون الوحدة

 التخوين.. ثمن جهاد الكلمة

  ثمامة بن اثال - بمناسبة المولد النبوي الشريف

 استعمال القرآن الكريم السب والشتم لأعداء الدين (4)

 المؤتمر النسوي (إرث الزهراء) يتنوع في أوراقه لمدة ٥ ساعات

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 6

  • الأقسام الفرعية : 22

  • عدد المواضيع : 430

  • التصفحات : 2441933

  • التاريخ : 18/08/2017 - 23:17

مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية : info@alanwar14.org @ Alanwar14.Com - Alanwar14.Org - Alanwar14.Net
 

تصميم، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net